الخميس، 30 أكتوبر 2014

عربة السيدات .. المجال العام بعد التاسعة مساءًا


لم أكن من سُكان القاهرة لأعلم بداية تخصيص عربة للنساء داخل مترو أنفاق القاهرة، ولكنني اهتممت بهذا الأمر بعد استقراري بتلك المدينة لفترة كافية لأدرك أن المجال العام غير مُرحِب بأغلبنا من النساء.

أما قد يكون جميعنا نعرف أن المجال العام هو الأماكن والمساحات العامة التي يتواجد بها أفراد المجتمع نساءًا ورجالاً ومَن غير ذلك، وأن عربات النساء بالمترو عددها إثنتين فقط في مقابل تسع عربات مشتركة، وأما أن بعضنا يحتاج لتوضيح ذلك، فلزم التذكير.

إن ما يحدث بشكل يومي داخل عربات السيدات، يمكن قراءته بعدة طرق، وغالبًا ما أعتمد على القراءة الخارجية للمشهد وإرجاع النتائج لمسبباتها.

مترو الأنفاق نموذج مصغّر للمجال العام في مصر، المساحة التي يتشارك بها أفراد المجتمع بأفكارهن\م وبأجسادهن\م، ولكن بطبيعة الحال فإن أغلب مساحات المجال العام يشغلها الرجال رغم كونها للجنسين.

مضت عقود حُرمت فيها النساء من التواجد في المجال العام وتم قصره على الرجال فقط، وهذا ما جعلهن يكتبن تحت أسماء مستعارة أو يتجهن إلى الأعمال الخيرية لخلق مساحة لهن ولغيرهن من النساء في المجال العام، وإنتزاع حقهن فيه.

في المقابل كانت هناك مقاومة شديدة من الرجال ومعارضة قوية لتواجد النساء بالمجال العام أدت مع إصرار هؤلاء النسوة إلى فرض شروط عليهن للإنتقال من المجال الخاص (الأسرة والعلاقات الشخصية) إلى المجال العام.


مُسمار جُحا


أما عن المترو، فرغم وجود تسع عربات مشتركة بين الرجال والنساء فإن هناك عربتين للنساء، واحدة فقط منهما للنساء طوال فترة تشعيل المترو، والأخرى تصبح مشتركة بعد التاسعة مساءًا، وقد نتفق أو نختلف مع وجود تمييز داخل عربات المترو لكننا لن نختلف أن أصحاب فكرة تخصيص عربات للنساء بالمترو لا يختلفون كثيرًا مع المعارضين للفكرة، حيث يتفقون جميعهم أن تواجد النساء في الشارع يقل بعد التاسعة مساءًا، وبالتالي فإن احدى العربات مستباحة بعد التاسعة لنفس السبب، فتصبح عربة واحدة فقط للنساء وعشر عربات مشتركة.

وآثرت اسخدام لفظ "مستباحة" للتدليل على الاستباحة لفظاً ومعنى، فليس معنى أن شئ لا يتم استخدامه لما خصص له في فترة معينة، أن يُستخدم في غرضٍ آخر، وبخاصة أنها ليست أوقات ذروة كساعات الظهيرة فيتم تأويل الموقف إلى الإحتياج.

إن فكرة التمييز الإيجابي للنساء هنا أيضًا تحمل ذات الفكر الذكوري، ملخصها أن النساء وإن خرجن للمجال العام وصارعنّ من أجله، فإن عليهن شروط مقابل ذلك، فأن النساء إن أردن ركوب المترو ليلاً فلن يحتاجن أكثر من عربة واحدة في حال عدم تفضيلهن للعربات المشتركة، لأن من الطبيعي ألا تخرج النساء بعد التاسعة إلا للضرورات.

إن هذه الأمور يُمكن تصنيفها كبقايا مقاومة صريحة لوجود النساء في مثل هذه المساحات وغيرها من مساحات المجال العام.
أغلب الرجال من روّاد المترو يميلون إلى فكرة أن النساء مكانهن الطبيعي هو المنزل (المجال الخاص)، وهو ما يظهر جليًا في فكرتهم أن العربات المشتركة هي للرجال فقط، بإعتبارهم أرباب الأسر ومَن يخرجون للعمل بينما تعمل زوجاتهم في المنزل على تربية الأطفال، وبالتالي فإن كل امرأة تشاركه في أي مساحة عامة هي "مضطرة" لذلك.

وفي السنوات الأخيرة خرجت النساء من إطار الإضطرار إلى إطار آخر وهو المنافسة، ما جعل بعض الرجال يشعرون بالتهديد والخطر، وهو إحساس طبيعي لديهم حيث امتلكوا المجالين الخاص والعام لمئات السنين، وهم مَن يضعون الشروط للنساء الراغبات في دخول المجال العام، والآن تتنقل نساء كثيرات بين المجالين، وهو ما يتسبب في إستثارة سيطرة الرجال عليهن ومقاومتهم لهن.

فنجد عدد ليس بالقليل من الرجال يصيحون في امرأة تشكو الزحام داخل العربة المشتركة:
-         انتى اللى راكبة عربية الرجالة، روحي اركبي عربية الستات.

وإن تعرضت إحداهن للتحرش داخل العربة المشتركة تم إلقاء اللوم عليها بداية من عدم ركوبها عربات السيدات وركوبها عربة الرجال، إلى لومها على النزول من بيتها من الأصل، وقليلون يتوجهون باللوم للمتحرش.

كما نجد هؤلاء الرجال يركبون عربات النساء عن عمد، وقبل التاسعة مساءًا، ويستبيح الأخرى أيضًا، فتصبح عربات المترو جميعها مشتركة بعد التاسعة، وهو ما يخالف لائحة مترو الأنفاق الحالية.

الشعور بالخطر 

"انتوا عايزين إيه تاني؟ خدتوا كل حاجة"

كما قالها أحد الأشخاص لفتاة اعترضت على تواجده بعربة السيدات.
كما نزل رجل من العربة المشتركة مخصوص ليسُب فتاة علّقت باب المترو اعتراضًا على تواجد رجال بعربة السيدات، ثم رجع عربته مرة أخرى!
أتسائل ماذا لو كان أغلق باب المترو لحظة تنقله بين العربتين؟! شئ مضحك لكنه يدفعنا إلى تدقيق النظر في اقتحام الرجال لعربات السيدات.

إن ركوب أغلب الرجال لعربات السيدات ليس جهل أو وليد الصدفة، إنهم يشعرون بتهديد حقيقي لوضعهم الذكوري، والذي يضمن لهم التحكم والسيطرة على كل النساء القريبات منهم، والمجالات التي يحتكرونها كرجال.


الخط التاني

إن ما له الأولوية أثناء الحديث عن النساء، هن النساء أنفسهن.
إن النساء قد نجحن في التحايل على بعض الشروط الذكورية المفروضة عليهن للإنخراط في المجال العام، وقد طوعنّها للإستفادة منها في خدمة قضاياهن، كما ذكرت سلفًا، كالكتابة بالأسماء المستعارة أو الإتجاه للأعمال الخيرية التي تمكنهن من التواجد في المجال العام والذي كان حِكرًا على الرجال، لكن مازالنّ يصارعن على ما صارعن من أجله منذ مائة عام ويزيد.

الاستباحة

كم مرة صادفت أن تواجدتِ داخل عربة سيدات أثناء المشاجرة الروتينية اليومية لكل مترو منذ الساعة السابعة حتى الواحدة صباحًا بسبب تواجد الرجال بعربات النساء؟!
كم مرة كنتِ أنتِ بطلة المشاجرة؟!

إن أغلب مشاجراتنا لا تطرح فكرة تطبيق لائحة المترو قدر ما تكون دفاع عن المساحة التي خصصت لنا كنساء، إن الدفاع عنها هو الدفاع عن تواجدنا بهذه المساحة من المجال العام، أغلبنا تشاجرت من أجل هذه المساحة، وأغلبهم يركبون عربة السيدات لا لشئ أكثر من استباحة هذه المساحة!

وجدير بالذِكر أن من النساء مَن تقاوم اخرى رفضت تواجد رجل بعربة السيدات، وإن مثل هؤلاء النساء لسنّ سوى نتيجة لمسبب أكبر وهي المنظومة الذكورية التي نشأن بها، فإن من غير المنطقي ترك المسبب الرئيسي وتعليق السبب على النتيجة، لأن ببساطة إن إنتهى السبب إنتهت النتيجة.


إن ما نراه من صراع بين الجنسين ليس بسبب عربة المترو، وإنما هو تراكم سنوات وسنوات من احتكار الرجال للمجالين العام والخاص، في توازي مع حرمان النساء من المجال العام ووقوعهن تحت سيطرة الرجال في المجال الخاص.


فإن أردنا المساعدة في إعتدال كفتي ميزان القوى المجتمعية بين النساء والرجال فعلينا:
-         الإعتراف بحق النساء في المجال العام.
-         دعم حق هؤلاء النساء في صراعهن على مساحاتهن.


 *هذا المقال رأي شخصي غير مُلزم لأشخاص آخرين.

غدير أحمد
20\09\2014
صورة من وقفة "ثورة البنات" للتنديد بانتهاكات المترو ضد النساء - يوليو 2012 .

هناك تعليق واحد: